الرئيسيه تاريخ علم النفس الوجه التاريخي للأمراض النفسية و العقلية

الوجه التاريخي للأمراض النفسية و العقلية

0 740

تحدثت كثيراً في عدة مقالات سابقة عن تاريخ علم النفسي و عن الفارق بين الطب النفسي و علم النفس ، و قد رأيت أنه يتوجب علي من الناحية المهنية كطبيبة أن أسلط بعض الضوء علي الطب النفسي من الناحية التاريخية ، و أن أفرد له عدة مقالات.في مقال سابق كتبت عن نشأة مجال الطب النفسي   بما في ذلك إنشاء أول مصح للعلاج النفسي و  تخليق أول عقار للعلاج النفسي ، و في هذا المقال سأحدثكم عن الوجه التاريخي للأمراض النفسية مثلما وصفها الأقدمون .

مثلما كانت الحضارة الإغريقية هي مهد الطب و علم التشريح  ومهد الفلسفة و علم النفس ،  كانت أيضاً مهد الطب النفسي ، فأحتوت الكتابات اليونانية الطبية  علي أعراض الاضطرابات  النفسية و العقلية من وصف لحالات الهياج و الاكتئاب و الارتباك و فقدان الذاكرة. كان الطب النفسي مجرد أعراض مرضية  منفصلة حتي جاء  الطبيب الإغريقي “جالين” و قام بعمل تجميع و  تصنيفات لتلك الأعراض ، و قد ظل الأطباء يتبعون تلك التصنيفات القديمة حتي القرن الثامن عشر.

و في القرن الثامن عشر قام عالم النبات “لينوس ” بعمل تصنيف للاضطرابات العقلية ، و قد حول شغفه من تصنيف أنواع النباتات إلي تصنيف الأمراض و بخاصة الأمراض العقلية. و في عام 1772 قام الطبيب الأسكتلندي “ويليام كولين” بتصنيف الهذيان علي أنه عرض  من أعراض الحمي ، بينما صنف سائر الأمراض العقلية علي أنها أمراض تصيب الجهاز العصبي أطلق عليها “العصاب”؛ و هو مصطلح يندرج تحته كل الأمراض النفسية و العصبية. إنطوي تصنيف “كولين” علي المسببات المرضية و الصف التفصيلي و الاختلافات الإكلينيكية فيما بين كل الأمراض التي يشملها “العصاب”.

و في أوائل القرن التاسع عشر نشر عدة كتاب فرنسيين تصنيفات خاصة بالأمراض النفسية و علي رأسهم الطبيب الفرنسي “فيليب بينيل” بكتابه “دراسة الأمراض العقلية” و الذي صنف فيه الأمراض العقلية إلي  الهوس الملازم  للهذيان أو بدونه ، و المناخوليا (المزاج السوداوي كما ذُكر في مقالات سابقة)، و الخرف ، و الغباء . ثم حمل المشعل من بعده تلميذه “إسكويرول ” ،   الذي نُشر مرجعه باللغة الإنجليزية عام 1845، و لقي رواجاً واسعاً حيث أضاف فيه تصنيفاً جديداً عن “الهوس الأحادي”  و هو الترجمة الحرفية عن (Monomania)  ،و ترجمته الأخري هي الجنون الجزئي ؛ و هو يصف  الأوهام و الأفكار الثابتة المغلوطة الغير منطقية والتي لا يمكن تغييرها بلغة العقل المنطق . و قد قسم “إسكويرول” الجنون الجزئي إلي عدة أقسام منها الهوس الناتج عن الإفراط في الشرب ، و هوس القتل ، و هوس الإحراق و الهوس الجنسي .  و علي الرغم من النقلة النوعية التي أحدثتها التصنيفات سالفة الذكر إلا أنه  قد افتقر تصنيف كل من “بينيل” و “إسكويرول” إلي الفهم الحديث لمصطلح “العصاب” و الاضطرابات السلوكية.

إهتم الطبيب الألماني “كريبلين” بدراسة نشأة و تطور الأمراض النفسية ، فكان لا يضع لها التشخيص و التصنيف حتي تتبلور أعراضها كاملة  ، و أوضح العلامات الفارقة بين الاضطراب ثنائي القطب و الفصام ، و قد وصف “كريبلين” الفصام بالخرف المبتسر – و هو أول تشخيص  علمي ُعرف للفصام أو الشيزوفرينيا – نتيجة لما يصاحبها من تدهور للحالة الإدراكية . و قد قسم كريبلين أنواع  الفصام إلي ثلاثة منها الفصام التخشبي ؛ و ما زال مصنفاً من ضمن أنواع الفصام حتي اللحظة الراهنة.  و يعد المرجع الذي وضع  فيه “كريبلين”  تصنيفاته و تشخيصه للأمراض العقلية  حجر الأساس للتشخيصات و التصنيفات المعمول بها حتي وقتنا الحالي.

و في عام 1911 أدخل الطبيب النفسي السويسري ” إيوجين بلويلر” مصطلح “شيزوفرينيا” أو الفصام في الطب النفسي ، و قد اختصر أعراضه في أربع أعراض أساسية  ؛ألا و هي التوحد ، و التناقض ، اضطرابات في الشعور ، و اضطرابات في الترابط.

يعد مصطلح “مناخوليا” من أباكير المصطلحات التي وصفت حالة الاكتئاب و هو يعني المزاج السوداوي القاتم ، و هو التشخيص الذي شُخص به الفنان فان جوخ علي وصف طبيبه الخاص جاشيه ، و قد رسم فان جوخ بريشته أعراض الاكتئاب علي جبين طبيبه جاشيه في رائعته “بورتريه دكتور جاشيه”. و فيه يميل المصاب – علي وصف جاشيه – إلي   التقوقع و الانزواء و الإنحناء  مع  تقطيب الجبين و عقد الحاجبين و بروز الشفاه و شحوب الوجه.و قد نقل الطبيب النفسي السويسري “بلويلر” تلك الأعراض في مرجعه الخاص لوصف أعراض الاكتئاب فيما بعد.

كتبته لكم :إيمان سليم.

مقالات متشابه