عن الجن الذي يقبع وراء مصنع الكراسي

    0 3345

       كثر القيل و القال عن حلقات الجن الذي يسكن القري و العشوائيات و يزاحم المعدمين في غرفهم الضيقة المكتظة بالأكوام البشرية بينما يترك هذا الجن ساكني “الكومباوندز” و الفيلات و القصور ، ولا يقترب بتاتاً من حسناوات الغرب و يفضل عليهن معاشرة فتيات متواضعات الجمال رقيقات الحال . و صار من الحيل المعروفة أنهم إذا أرادوا بخس حق شقة أو فيلا او قصر مع طرد سكانه دون عناء اللجوء إلي القضاء أو البلطجة أشاعوا عنه أنه مسكون و لتلك الحيلة أثر السحر الزعاف.

     
                يرتبط الحديث عن الجن و العفاريت بالمراة علي وجه خاص و ذلك لان المرأة في مجتمعنا الشرقي كائن مقهور مغلوب علي أمره و يعاني من الكبت المجتمعي و الجنسي فتلجأ لحيل دفاعية من أجل لفت الانتباه لمشاكلها  بطريقة ملتوية لن يحاسبها عليها المجتمع ؛ فتدعي أنها مرغوبة من الجن الذي يحنو عليها أكثر من ذويها ، و أن الجن يعاشرها جنسياً  بدلاً من التصريح بأنها تعرضت لاعتداء جنسي ؛ و هو ما يعرف في الطب النفسي “بالإنشقاق الهيستيري ” و الذي يحدث عندما تلجأ ضحية  معنفة تعاني من الصدمة و  القهر و الكبت إلي حيل يصورها لها اللاوعي من أجل الإفصاح عن معاناتها و رغباتها المكبوتة دون إرهاب مجتمعي. و لتبسيط الأمور يرجع ذلك إلي أنها لو صرحت أمام أسرتها أنها تشعر بالحزن و العزلة و الكبت و القهر لنالها وابل من السباب و الضرب و التهام التي ستنال من شرفها و سمعتها، و لذلك تتحول في حالة انشقاقية عن واقعها المرير و يتبدل صوتها و تصرخ و تظهر عليها أعراض نفسية مما يظنه الأهل أنها “ملبوسة” و يلجأون معها لزيارة المشعوذين و الدجالين و النصابين و بذلك تحصل علي الشعور بالإهتمام و الشفقة الذي كانت متعطشة إليه من جانب أهلها.

     

     

                إن مسلسل “السبع وصايا” قد ألقى جانباً من الضوء علي ارتباط المرض العقلي بالجن و ذلك عندما صرح بطل من أبطال العمل بأنه “مصروع” أي أنه تنتابه نوبات صرعية من حين لآخر يفقد علي اثرها الوعي و يتشنج ، و تغرب عيناه، و يصدر أصواتاً مخيفة نتيجة لانقباض عضلات الحنجرة الملازم لتشنج عضلات جسده. و قد أخفت أمه حقيقة مرضه حتي يتسني له الزواج مما أوقع زوجته في فخ النصب و الدجل و الشعوذة ، و لذلك مدلول هام في  مجمله علي أن معظم الناس علي الرغم من علمهم بأن ابنهم مريض عصبي أو نفسي او عقلي يفضلون أن يشيعوا عنه أنه “مخاوي” أو “ممسوس” أو “صاحب بركة” و ذلك للدفع بوصمة المرض العقلي بعيداً عنهم ، و لصنع حاجز من الرهبة أمام كل من يحاول النبش وراء حالة ابنهم العقلية.

     
                 يشكو مرضي الفصام من سماعهم لأصوات طوال الوقت “هلاوس سمعية” و ربما تصاحبها رؤية أشياء غير حقيقية “هلاوس بصرية” و يرجعون ذلك إلي أي تفسير بعيداً عن المسبب الحقيقي ألا و هو إصابتهم باضطراب نفسي او عقلي ؛ فبعضهم يزعم ان أجهزة المخابرت تهاتفه و البعض الآخر يزعم أن الجن يسكنه و يتحدث إليه. و تختلف التفسيرات فيما بين المرضي حسب اختلاف ثقافاتهم و دياناتهم و بيئتهم ؛ فلو كان المريض مسيحيا لأدعي بأنه يسمع صوت يسوع أو الروح القدس ، و لو كان مسلما لأدعي بأنه يسمع صوت وحي جبريل أو جن من الشياطين يسكن جسده و يكلمه ، بينما لو كان المريض ملحداً لأدعي بأنه اختطف من قبل كائنات فضائية و زرعت له أجهزة في مخه يخاطبونه من خلالها . تختلف التفسيرات و المسبب واحد و هو اضطراب كيميائي في مستقبلات المخ يجعل الهلاوس الصوتية و البصرية حقيقة لا يقبل المريض نقاشها.

     
    و قد يزعم البعض أن الممسوس من الجن يكره سماع القرآن أو الكتب السماوية بصفة عامة و ذلك مردود عليه بأن ذلك يرجع إلي طبيعة مرضهم و طرق التعامل السيئة مع مرضهم العقلي ؛ فمعظم المرضي النفسيين و العقليين يلجأون للدجالين و المشعوذين في بداية ظهور أعراضهم المرضية و هؤلاء النصابين يستخدمون طرق في غاية العنف منها ضرب المريض حتي يدمي جسده لإقناعه و إقناع أهله بإخراج الجان و يتزامن ذلك الضرب المبرح مع ترديد الأدعية و الآيات ، و بذلك ارتبطت الآيات القرآنية بالضرب و الألم في ذهن المريض فأصبح لا يطيق سماعها من شدة ما تعرض له من آلم مصاحب ، و هو ما يذكرنا بتجربة العالم الروسي “بافلوف ” لدراسة الارتباط الشرطي من خلال سلوك الحيوان. كما أن بعض المرضي النفسيين و أخص بالذكر مرضي الفصام و الوسواس القهري طبيعة مرضهم قد تمنعهم من أداء العبادات بصورة سليمة ، فعلي سبيل المثال مريض الوسواس القهري قد تلازمه أفكار ملحة تقتحم ذهنه بخصوص سلامة عقيدته ، و بعضهم يشعر دوماً أنه مقصر في آداء الشعائر الدينية و لنضرب مثالاً بسيطاً باحتساب عدد ركعات الصلاة فتجده دوماً يظن أنه قد أغفل ركعات مما يجعله ذلك لا يبارح الصلاة مع شعور دائم بالقلق و الذنب. بينما يصاحب مرضي الفصام الارتيابي ضلالات عظمة فيعتقد أحدهم أنه صاحب دعوة و نبي مكلف من الله برسالة ما فتجده يبتكر طريقة جديدة للصلاة تصدم أهله فيظنون أنه مصاب بمس من الشيطان.

     
                  إن ما يحدث من برامج التوك شو الصفراء من استغلال لفقر و قلة حيلة المرضي النفسيين و أهلهم هو جريمة أخلاقية لا تغتفر- هذا علي حسن الافتراض أن من يظهرون في تلك البرامج هم مرضي نفسيين و ليسوا مأجورين – و أن يتم ترويج الخرافات من خلال بعض الوسائل البدائية البلهاء في المؤثرات البصرية مثل إحراق معدن “الصوديوم” في الماء هو جريمة ثقافية لا تغتفر ، و إن ضرب العلم و الطب النفسي في مقتل من خلال تمثيليات الدجالين و المشعوذين هو جريمة علمية لا تغتفر ، وإن تجاهل موبقات ذلك المجتمع و جرائمه من خطف الأطفال و ظاهرة أطفال الشوارع و ظواهر التحرش و الاغتصاب و القمع بينما يتم خلق مشاكل وهمية من نار الصوديوم المحترق هو جريمة مجتمعية لا تغتفر ، فكم من الجرائم ارتكبت باسمك يا إعلام مشوه و صحافة ممسوخة!

     

    كتبته لكم :إيمان سليم.

    مقالات متشابه