الرئيسيه تاريخ علم النفس مارينا أبراموفيك و تجاربها المونودرامية

مارينا أبراموفيك و تجاربها المونودرامية

0 3237

هجرها والدها صغيرة ، فتحولت والدتها إلي جنرال جيش و ربتها تربية عسكرية  صارمة حازمة منذ نعومة أظافرها ، و لكن علي الرغم من قسوة التربية كانت   مرهفة الحس ، فاختارت العمل في مجال الفن حتي نالت فيه أرفع الشهادات .. إنها الصربية “مارينا أبراموفيك” صاحبة عدة تجارب غير مألوفة لاختبار تأثير الوعي  علي الأداء الفني   . أجرت مارينا تجاربها بنفسها علي نفسها ، و اعتمدت تجاربها في مجملها علي جلد الذات.

 كانت ” اللعبة الروسية” من أولي تجاربها في أوائل السبعينات ، و هي لعبة مازوخية شديدة القسوة تعتمد علي وضع كف اليد علي منضدة ،  مع التفريق بين الأصابع الخمسة ، ثم رشق سكين في كل فراغ بين كل إصبعين بطريقة متسارعة مما ينتج عنه تجريح و ألم شديد ، و قد قامت مارينا بتسجيل تأوهاتها  مع استخدام عدة أسلحة حادة في تجربتها ، ثم استمعت إلي التسجيل ، و حاولت أن تحاكي التأوهات التي أصدرتها من قبل فلم تستطع . و  منه استنتجت – علي حد قولها – أن الاندماج في الأداء يدفع الإنسان للقيام بأشياء لم يعهدها من قبل  ، و لا يستطيع أن يؤديها في كامل درجات وعيه. و قد اندمجت   مارينا بشدة في إحدي أدوارها المسرحية حتي وصل بها الأمر إلي القفز  داخل حلقة من النيران “إحدي ديكورات المشهد”  ففقدت الوعي من تصاعد الأدخنة و العوادم  .

و في إحدي التجارب تناولت مارينا قرص من عقار مضاد  للفصام قبيل العرض ، فتعرضت لأعراض جانبية شديدة أثناء الأداء و تيبست عضلاتها ،  و لكنها كانت واعية لما يحدث حولها تماماً ، و لم تتأثر حالتها الذهنية ، و كانت  بتلك التجربة تحاول اكتشاف الرابط بين الجسد و العقل ، و الذي ذهبت للبحث عنه في هضاب التبت فيما بعد.

ثم نأتي للتجربة الأشهر و الأهم علي الإطلاق في عام 1974 ، و التي تخطت كونها مجرد تجربة لاختبار الأداء المسرحي ، و أخذت بعداً نفسياً عميقاً ،  يمكن أن تُبني عليه دراسات و أبحاث. عمدت مارينا إلي التواصل المباشر مع جمهورها بدون حاجز خشبة المسرح ، و لعبت دوراً سلبية فوقفت خلف منضدة وضعت عليها عدة أغراض من ورود  و ريش و عسل و مقص و مسدس به طلقة واحدة . وقفت مارينا بلا حراك لمدة ست ساعات   تنتظر و تراقب  رد فعل الجمهور ، و الذي بدأ الأمر بالمشاهدة ثم تطور الأمر إلي تمزيق ملابسها و التحرش بها ، و غرز أشواك الورد في جلدها ، حتي وصل الحد إلي أن وضع أحدهم فوهة المسدس في رأسها و هو يهددها بالقتل ، فانتزعه منه أحد المارة . و عندما  تخلت مارينا عن سلبيتها و همت بالتحرك لاذ الجميع بالفرار خوفاً من مواجهتها.

إن السلبية و العنف نقاط متطرفة  ، و كلاهما يولد الآخر ،  بينما يقف في خط المنتصف بينهما   حالة   السلم ، و هنا يجب التفريق بين السلبية و السلمية ، فعلي سبيل المثال الزعيم “غاندي” لم يكن سلبياً علي الإطلاق  في مواقفه حتي و إن قاوم الاحتلال البريطاني بشتي الطرق السلمية. و من واقع التجربة عندما همت مارينا بالتحرك هرب المتحرشون ، علي الرغم من أنها لم تستخدم العنف.   و استطاعت أن تبعد الأذي عن نفسها بمجرد أن أتخذت موقفاً غير سلبي. إن السلبية و ترك الأمور الجسام علي عواهلها بلا وازع أخلاقي  أو رادع قانوني يولد المزيد من العنف و الإجرام و يخرج أسوأ  ما في النفس البشرية .

كتبته لكم :إيمان سليم.

مقالات متشابه