الرئيسيه تاريخ علم النفس مناهضو الطب النفسي

مناهضو الطب النفسي

0 685

بدأت حركة “معارضي الطب النفسي” في البزوغ  في الخمسينيات من القرن المنصرم إلي أن تبلورت الحركة و تكاملت أركانها مع تجربة  عالم النفس “روزنهان” 1973 الخاصة بدس أصحاء يدعون المرض النفسي داخل المصحات و ذلك  للتلاعب بالأطباء و من ثم هدم الطب النفسي و ذلك علي الرغم من أن “روزنهان” عالم نفس و يدرك بحكم تخصصه أن الطب النفسي و علم النفس بينهما رابط علمي قوي و هو علم النفس الإكلينيكي.

حمل دكتور “توماس زايس” علي عاتقه مناهضة الطب النفسي علي الرغم من أنه كان طبيباً نفسياً فيما مضي  ، و في عام 1960 نشر كتابه “خرافة المرض النفسي” ، و نفي من خلاله تماماً وجود الأمراض النفسية و استثني منها بعض الأمراض كالزهايمر  الذي اعترف بوجوده،  بينما رفض الاعتراف بالشيزوفرينيا و الاكتئاب و غيرهم من الاضطرابات النفسية الكثيرة ، و أرجع أسبابه في ذلك إلي أن المرض النفسي يخضع لحكم شخصي من الطبيب المعالج  الذي يشخصه بناء علي الأعراض الظاهرة، ولا يوجد تحليل أو فحص طبي يثبت وجود المرض النفسي بخلاف بعض الأمراض كالسرطان. و كان يستند في معاداته للطب النفسي إلي أنه كان هناك طرق علاج بدائية كانت تتخذ فيما مضي لعلاج الذهان و منها استئصال جزء من الفص الأمامي للمخ ، و هذا لا يعد صالحاً للتطبيق في الوقت الراهن بما أن جراحة المخ و الأعصاب المنوط بها إجراء الجراحات تخصص بعيد تماماً عن تخصص الطب النفسي ، فلا يوجد طبيب نفسي يستطيع أن يجري جراحة في المخ بحكم التخصص.

و كان “زايس” له بعض الحق في معاداته للطب النفسي فيما يختص بالحجز الإجباري غير الإنساني للمريض النفسي ، و كان يري فيه نوع من العبودية ، و لكن هذا فيما مضي لأن القوانين المستحدثة الآن تحمي حقوق المريض النفسي و تضع للحجز الإجباري شرط أن يشكل المريض خطورة علي حياته أو حياة من حوله و لا يوجد في القوانين الجديدة ما يعرف بالحجز مدي الحياة.

و قد ناهض “زايس” تجريم تناول العقاقير المخدرة ، فكان يري أن الإدمان ليس اضطراباً أو مرضاً و لكنه سلوك اجتماعي ، و كان يشن حرباً شعواء علي حظر بيع أو تناول المخدرات و يري أن ذلك لا يشكل أي نوع من الجرائم  ، بينما هاجم العقاقير العلاجية النفسية لأنه رأي أنها غير مجدية و تشكل ضرراً علي خلايا المخ!

كان من واجبي كطبيبة نفسية أن ألقي الضوء علي هذه المدرسة كجزء من تاريخ الطب النفسي ، و سأسرد مآخذي الشخصية  المتواضعة علي تلك المدرسة المعادية للطب النفسي  التي لاقت نقداً شديداً من أطباء نفسيين مشاهير.

  1. إن الطرق البدائية في العلاج الطبي لم تكن مقتصرة علي الطب النفسي فقط  كما أدعي “زايس”، فكان في وقت ما يتم تشخيص العيوب الخلقية في القلب  بالسماعة و بالأشعة السينية لأنه لا توجد طريقة أخري للتشخيص .
  2. اعترف “زايس” بالزهايمر كمرض نفسي علي أساس عضوي علي الرغم من أن الزهايمر – كشأن أمراضاً نفسية كثيرة- قامت حول مسبباته عدة نظريات ولا يعرف له سبباً واحداً و منها نظرية تسمم الخلايا العصبية بمعدن الألومنيوم ، ولا يتم تشخيصه بتحاليل طبية ، و تشخيصه مبني علي أعراض مرضية كشأن معظم الأمراض النفسية.   و علي سبيل المثال الفصام – بحكم الدراسات البيولوجية و الدوائية – وجد أن سببه خلل ما في نسب مادة الدوبامين ، و كذلك الاكتئاب وجد أن من مسبباته خلل ما في نسب مادة السيرتونين  ، و لكن كيفية عمل تلك المواد علي وجه التحديد هذا ما سيكشفه لنا العلم فيما بعد .
  3. إدعي زايس أن الأمراض النفسية ما هي إلا استجابة لظواهر اجتماعية و تجاهل أهمية  العامل الوراثي ، فمعروف أنه من  خلال دراسات التوائم أن الأمراض النفسية بها عناصر وراثية مشتركة حتي و إن تم الفصل بين التوأم و تربي كل منهما في مناخ اجتماعي مستقل عن الآخر.
  4. هاجم زايس الطب النفسي و لم يقدم لنا سبباً واحداً علمياً واحداً علي ظهور الأعراض الفصامية ، أو الاكتئابية .
  5. هناك أمراضاً أخري في شتي مجالات الطب  لم يتم اكتشاف مسبباتها علي وجه التحديد، فعلي سبيل المثال و ليس الحصر تم الربط بين قرحة المعدة و نوع من أنواع البكتيريا الحلزونية و لكنه كان كلاماً يخضع لقواعد نظرية إلي أن اكتشف فريق من الأطباء الرابط الخفي بين ذلك النوع من البكتيريا و قرحة المعدة منذ عدة أعوام ، و حازوا علي جائزة نوبل عن هذا السبق العلمي المتميز . و لذلك ما يستند إليه “زايس” لهدم الطب النفسي يمكن الاستناد إليه لهدم مجالات عديدة في الطب لأنه هناك أمراضاً كثيرة ما زال العلم يعكف علي تفسيرها و منها داء “منيير” الذي يصيب الأذن الداخلية و لا يعرف له سبباً ، و يكتفي الطبيب بإعطاء بعض مدرات البول و المسكنات لتهدئة النوبات المرضية.
  6. إن الأمراض النفسية يمكن أن تسبب عجزاً كلياً عن الأداء و العمل و  قد يصل الأمر للعجز عن الحياة، كشأن أمراض كثيرة تسبب العجز و هذا أمر لا يستهان به ؛ فطبقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية يعد الاكتئاب من أكبر مسببات العجز في هذا العصر  ، فهل العجز يعتبر عرض اجتماعي علي حد كلام دكتور “زايس”؟
  7. هاجم “زايس” العقاقير العلاجية النفسية  و أدعي أنها تضر أكثر مما تنفع بينما تجاهل نسب الشفاء العالية التي تحققها ، كما تجاهل ظهور أجيال حديثة من العقاقير – قد تكون باهظة للغاية – و لكنها أثبتت فاعليتها و جدارتها و قلة أعراضها  الجانبية مقارنة بالأجيال السابقة. و الطريف في الأمر أن زايس قد دافع عن إدمان المخدرات  متجاهلاً أضرارها البالغة ، و اعتبر ذلك سلوكاً اجتماعياً غير مضر ولا يجب أن يُجرم ، فكان حريّ به أن يعتبر تناول عقاقير العلاج سلوكاً اجتماعيا غير مضر مثلما اعتبر الإدمان سلوكاً اجتماعياً غير مضر.
  8. إن هذه المدرسة موجهة لتخدم طوائف دينية معينة” السنتولوجي” ، و التي تعادي الطب النفسي ولا تعترف به  ،و ذلك لبسط سلطة رجال الدين بهذه الطائفة ، و في هذه الحالة أبلغ تشبيه لذلك الموقف هو ذلك  المشعوذ الذي يهاجم الطب النفسي لأنه أضعف نفوذه و كشف طرقه العلاجية المبنية علي الخرافات و الخزعبلات.

كتبته لكم :إيمان سليم.

مقالات متشابه